ياسر الزعاترة يكتب : جولة جديدة لتسويق وهمٍ قديم

خلال الأيام المتبقية من شهر آب الجاري، سيحل مبعوثو ترامب الثلاثة ضيوفا على المنطقة. والثلاثة هم: صهره جاريد كوشنر، مبعوثه إلى الشرق الاوسط جيسون غرينبلت، ونائبة مستشار الأمن القومي دينا باول. ولن يتوقف القوم في رام الله وتل أبيب فقط، بل سيزورون عواصم عربية عديدة، من بينها عمّان والقاهرة والرياض.
لا حاجة بالطبع للتذكير بهوية الزوار، بخاصة الأول والثاني، وكلاهما يقدمان مصالح الكيان الصهيوني على مصالح الولايات المتحدة، وسيكون بجانبهم بالطبع السفير الأمريكي إلى تل أبيب، ديفيد فريدمان الذي علمنا قبل أيام أن ابنته الممرضة ذات الـ20 ربيعا قد قررت الهجرة إلى “أرض الميعاد”!!
مؤخرا تسرّب تسجيل لصهر ترامب (كوشنر)، لخص فيه رؤيته للوضع على صعيد التسوية بالقول: “أنا متأكد أن كل من حاول في هذا الأمر وصل إلى طريق مغلق، ولكننا نحاول مجددا الوصول إلى حل منطقي، نحن نفكر في الحل النهائي والصحيح، ونعمل بسرية مع الجانبين، من الممكن أن لا يكون هناك حل لهذه المشكلة”.
من هنا تبدأ قصة الرحلة الجديدة، فالقناعة المتوفرة لدى فريق ترامب، بل جميع المعنيين بالقضية هي أنه لا أمل في حل نهائي، مع إدراك الجميع أن سبب ذلك، لا يعود لتعنت الطرف الفلسطيني أو العربي، بل لأن سقف التنازلات التي يمكن أن يقدمها الاحتلال لا يمكن أن يقبل بها أي أحد.
غياب أفق الحل لا يعني الكثير، فهناك مساران لمواجهة ذلك؛ الأول أن تستمر سياسة المراوحة الراهنة، والمتواصلة منذ 2004، وعنوانها سلطة في خدمة الاحتلال لها هياكل دولة، تحصل على المساعدات، وتحارب المقاومة، وصولا إلى تطبيع العقل الفلسطيني على ذلك.
أما المسار الثاني، فهو الحصول على شرعية سياسية فلسطينية وعربية لهذا الوضع، بمسمى مؤقت، مع تطبيع عربي، وصولا إلى تحويل المؤقق إلى دائم، أو إضافة رتوش إليه، وهذا ما تمت تسميته بالحل الإقليمي، وقد يجري نفخه ومنحه عنوانا أكبر (صفقة القرن مثلا)، بحسب تعبير ترامب.
ترامب بعد تنصيبه لم يذكر حل الدولتين، رغم أنه مصطلح لا يعني الكثير، لأن المهم ليس وجود دولة فلسطينية، بل ماهية تلك الدولة من حيث المساحة والسيادة.
خلاصة الجولة الجديدة لمبعوثي ترامب والحالة هذه، لا تعدو أن تكون لعبة تخدير جديدة أو بث للوهم، وهي تأتي بعد أسابيع من الانتصار الذي حققه الفلسطينيون على الاحتلال في قضية البوابات الإلكترونية، وذلك حتى لا نذهب السلطة بعيدا في رفض التعاون الأمني، وكي لا يتصاعد تيار المقاومة في صفوف الشعب بعد الذي جرى.
سيحمل القوم بعض الوعود على الأرجح، والتي تتعلق بدعم السلطة، وهو دعم يساعدها على أداء مهاتها في تخليص الاحتلال من وجهه القذر، أكثر مما تساعد الفلسطينيين في نضالهم من أجل تحصيل حقوقهم، بل جزء منها لا أكثر. كما سيلوّحون بما تيسر في أيدي أمريكا من عصيّ أيضا.
عربيا، سيحاول مبعوثو ترامب إعادة الحديث عن الحل الإقليمي، لكن الأرجح أنهم لن يحصلوا على شيء عملي، إذ من يجرؤ على تطبيع علني مع العدو في الأجواء الراهنة، ومن دون أي إجراء مقابل من الاحتلال، مع أن آخرين لن يكفوا عن التطبيع السري بطبيعة الحال، وكلما زاد العرب اشتباكا فيما بينهم، كلما كان خضوع بعضهم أكبر، فضلا عن بيع قصة مواجهة إيران على آخرين.
لو كانت هناك قيادة قوية للشعب الفلسطيني لتوقفت مليا عند ذلك كله، ودعت إلى إعادة النظر في المسار برمته، لكن ذلك لا يبدو مرجحا، فهم رضوا بمسار السلطة تحت عباءة الاحتلال، واستمتعوا بها زمنا طويلا، ولن يتركوها بحال، إلا إذا فرض عليهم الشعب ذلك، بقوة إرادته وانتفاضته.