عصام تليمة يكتب : هولوكوست رابعة العدوية!!

لا يشك عاقل أو منصف أن ما حدث في ميدان رابعة العدوية، من فض اعتصام بشري سلمي، هو بكل معنى الكلمة (هولوكوست) ومحرقة، لا يقل عما اعترف به وجرمه العالم الأوروبي وغيره عن (الهولوكوست النازي)، أو المجازر البشرية في البوسنة والهرسك، ولا الإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا، فهل كان ينقص مجزرة رابعة شهادة شهود، أو تقارير دولية؟

استفاد أصحاب الهولوكوست، وأقاموا دولة به منذ حدوثه وحتى اليوم، معتمدين على تجريم العالم له، وهو جريمة لا يختلف عليها أحد، ولا زالت حتى اليوم تنال هذه الدولة التعويضات عليها.

لكن سبق كل ذلك جهد كبير وصل الليل بالنهار عملا، حتى تصل لهذه النتائج، فقد تم عمل مواد وثائقية، وأفلام في هوليود شاهدها الملايين، توج ذلك بوضع مادة في القوانين الأوروبية تعاقب من ينكرها، أو يشكك في حدوثها، أو أرقامها.

لم تكن وثائق المجازر التي حدثت في القرن العشرين، بقوة وثائق مجزرة رابعة نفسها، فقد كانت المجزرة لمدة تزيد عن ثلاثة عشر ساعة أو أكثر على الهواء مباشرة، شاهد العالم كيفية الفض، والتجاوز الكبير في القتل، شملت هذه المجزرة رجالا عزل من السلاح، وأطفالا، ونساء، ثم حرق لمستشفى ميداني بكل من فيه، وما فيه.

فلم تكن فقط المجزرة مجرد قتل، أو قنص، بل حرق الأحياء والأموات، واستخدام أسلحة مجرمة دوليا، سواء في مذبحة الحرس الجمهوري، أو المنصة، أو رابعة، أو النهضة، أو مصطفى محمود، وفي مسجد الفتح، وما تلا هذه الأحداث، فماذا ينقصنا كي نصل لهذه النتائج التي وصلت إليها من مورست عليهم مذابح قبلنا؟

إننا نحتاج بلا شك إلى جهد حقوقي متواصل، لا يكل ولا يمل من طرق أبواب المؤسسات الحقوقية الدولية، فقد يشعر البعض باليأس أو الإحباط في هذا الميدان، بدعوى أن الانقلاب تم برضا دولي، وتعاون إقليمي.

فكل المجازر التي تمت في القرن العشرين، شعر من قاموا بها بالحصانة ضد العقاب، ولكن تغيرت الظروف الدولية، وقدم معظمهم للمحاكمة، وقد كان المستشار طارق البشري يحكم على مسؤولين في نظام مبارك وهو في الحكم، وقد سألته مرة مذيعة: لماذا تحكم على أشخاص لن تنفذ عليهم العقوبة؟

فقال: أنا أقوم بما علي كقاض، وأدع الزمن ليتهيأ للتنفيذ، وليظل المجرم حيا طوال حياته وتهديده بالعقاب ماثلا أمام عينيه، وفي أقرب تغير للظرف القانوني تطبق عليه العقوبة، لكن من المهم أن تثبت عليه العقوبة بأدلتها.

وهو كلام صحيح، فمن كان يتوقع عقاب سفاح الصرب، أو محاكمة صلاح نصر وشمس بدران، وغيرهم من رجال عبد الناصر الذين أذاقوا الناس الويلات والعذاب؟

فالمجرم يظل طوال حياته غير آمن من العقاب، وقد كان حمزة البسيوني مدير السجن الحربي، كلما توقع أن يعزله عبد الناصر عن منصبه، يذهب إليه متوسلا ألا يفعل، وفي إحجى المرات ركع أمامه وقبل قدميه، ونهره عبد الناصر، أنه لواء جيش كيف يفعل ذلك؟ فقد كان الرعب يملأ قلبه إن خرج من الخدمة، والتقى به بعض من عذبهم ماذا يفعلون به؟

كما نحتاج إلى استخدام سلاح الدراما والفن، وهو سلاح فعال ومجرب، ففي مجزرة رابعة وما قبلها وما بعدها، قصص لا حصر لها، تحوي الكثير من المادة الدرامية، وهي حقائق لا يتطرق إليها شك، ومملوءة بالجانب الإنساني بكل معانيه.

بل لعلها تكررت كثيرا في حالات الشهداء والمصابين، والمعتقلين كذلك، ومؤخرا قام ببعض جهد من التوثيق الأستاذ صلاح عبد المقصود وزير الإعلام في عهد الرئيس محمد مرسي، ببعض إصدارات عن شهيدات رابعة: أسماء البلتاجي، وهالة أبو شعيشع، وأسماء صقر، وحبيبة أحمد عبد العزيز، وهو جهد ممتاز يحتاج لتحويله لدراما، وإلى جهد آخر بوضع مخطط لمادة فيلم أو مسلسل عن مجزرة رابعة، أعلم أن مثل هذه الأعمال تحتاج لتمويل مالي كبير..

لكنه حلم ليس صعب المنال، يسهله وجود المادة، أو القصة بلغة أدبية عالية، ولتكن البداية بورشة سيناريو، تبدأ بجمع المادة، واختيار ما يصلح منها للدراما، ثم بعدها تأتي الدراما التي تفيد وترد بعض الحقوق لأصحاب هولوكوست رابعة العدوية.