حسين صابر يكتب: ماكينة الاقتصاد المصري ستتوقف خلال أيام..بسبب الدولار

14925436_1810720419211655_3213836971976865272_nماكينة الاقتصاد المصري تعاني من حالة تباطؤ شديد وهي مهددة بالتوقف التام خلال أيام أو خلال أسابيع قليلة. لقد جعلنا من الدولار الوقود المحرك لهذه الماكينة، فعندما شح في لأسواق وارتفعت أسعاره في السوق الحقيقية (لا السوداء كما يقولون) بنسبة 100% أو أكثر عن السعر المضحك الذي كان البنك المركزي يتعامل به، اختل النظام العام للماكينة الاقتصادية فحتى سعيد الحظ الذي كان يمكن أن يحصل على الدولار بالسعر الرسمي فإن أفضل تصرف له هو أن يعيد بيعه في السوق الموازية ويحقق ربحاً فاحشاً (أكثر من 100%) وبالتالي لم تعد له مصلحة في استخدام الدولار في الغرض الاقتصادي الأصلي.

ونحن نستخدم الدولار في كل شيئ تقريبا: (1)استيراد السلع الكمالية والترفيهية وقد يتوقف المستورد عن بعض هذا النشاط خوفاً من إعراض المستهلكين.

(2)استيراد مستلزمات الانتاج وهذا يمثل النسبة الغالبة في أكثر الصناعات المحلية وهذا بدأ يتوقف بمعدلات متسارعة، لأن ارتفاع سعر الدولار سيؤدي الى لارتفاع المنتج النهائي وهو أمر فوق احتمال معظم المستهلكين، بل ان سعر الدولار يختلف من يوم لآخر وبالتالي فإن الفترة ما بين الاستيراد وإخراج المنتج النهائي طويلة، والدولار يزيد بـ 50 أو 100 قرش في اليوم وهي أمور فوق احتمال أي حساب اقتصادي، وتوقف الانتاج أفضل لحين استقرار الأمور. إذن هناك توسع في توقف المصانع.

(3)استيراد السلع الضرورية كالسلع الغذائية وهذه كارثة لأن زجاجة الزيت سيزيد سعرها من 10 جنيهات إلى 20 أو 30 فهل سيتحمل المستهلك ذلك. لابد من التوقف اذن حتى تستقر الأمور. أصبحت تنتشر فكرة اقتحام المحلات ليلاً واغتصاب السلع مجاناً. لقد دفعتم الفقراء اذن لحالة الجنون.

(4)نحن نسدد ثمن وقود الطاقة بالدولار للشركات الأجنبية في مصر، ونستورد باقي احتياجاتنا بالدولار بعد توقف السعودية. ونسدد القروض طبعا بالدولار وهي تساوي 300 مليار جنيه سنويا (ستصبح الآن 600 مليار جنيه!).

(5)هذا الوضع أدى إلى التوسع في التعامل بالدولار في السوق العقاري، وأدى إلى دفع المودعين لسحب أموالهم بالجنيه المعرضة للتآكل لشراء عقارات لأن العقارات تزيد قيمتها.

كل هذا المشهد أدى بجميع الأطراف في العملية الاقتصادية إلى التوقف والانتظار وهي دائرة جهنمية تساهم في المزيد من انهيار الجنيه كما حدث لليرة التركية في التسعينات من القرن الماضي. فأصبحت كل التعاملات بالدولار. ولكن المشكلة عندنا أن هناك شحاً في الدولار نفسه!! وبالتالي فنحن أمام دوامة مفزعة. (ومن مؤشرات ذلك الارتفاع الجنوني للذهب).

الاعلام مهد لضرورة تعويم الجنيه وكأنه حل عبقري أو حل وحيد، وهذا تحصيل حاصل لأن الجنيه قد تم تعويمه بالفعل في السوق الموازية. والاعلام والحكام يسمون هذا إصلاحاً قد تأخر!! وهذا ضحك على النفس وخداع للشعب. من قال أن الجنيه لم يتم تخفيضه من قبل عدة مرات ولكن المسطرة اختلفت فقط، فكان الدولار بـ 3 جنيهات والآن بـ 8 جنيهات والمطلوب رفعه إلى 18 أو 20 جنيها. الجديد أن الدولار انكمش والانتاج المحلي انكمش والاعتماد على الخارج زاد. حكامنا لم يتوقفوا عن تنفيذ تعليمات الصندوق من أيام السادات حتى الآن والمسألة كانت مسألة معددلات ومستويات في السرعة فحسب. والوقود ارتفعت أسعاره أكثر من مرة والآن مطلوب ارتفاع آخر وهكذا فهذا ليس إصلاحاً ولكن انبطاحاً لشروط الصندوق في ظل المزيد من العجز، أقصد العجز السياسي والاقتصادي لا عجز الميزانية!!.

الاعلاميون يزورون الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة ويعودون مبهورين دون أن يفهموا شيئا. في كوريا الجنوبية طبقوا سياسة (إحلال الواردات) أي انتاج السلع التي تستورد. لو اتبعنا هذه السياسة لتم حل مشكلة الدولار (خلال عامين). والحقيقة المشكلة ليست مشكلة دولار هذا مظهر الأزمة. في كوريا الجنووبية وغيرها من النمور الآسيوية كان الحاكم يشكل مجلساً اقتصادياً لتخطيط الصناعات الوطنية حتى تنتج ما تستورده من الخارج ويتم ذلك بمشاركة القطاع الخاص. لدينا الآن سلع عديدة مستوردة نحن قادرون على انتاجها..مثلا: الصابون..مستحضرات التجميل- الأدوية- كل أنواع الملابس والمنسوجات والمفروشات….الخ هل يعلم أحد أننا في بلد الغزل والنسيج (بلد طلعت حرب منذ ثلاثينيات القرن الماضي) لم يعد لدينا غزل وان صناعات المحلة تعتمد على استيراد الغزل من ايران وسوريا (ولاشك أن الاستيراد من سوريا توقف الآن!).

في البلاد الآسيوية كانت لجان التخطيط الاقتصادي تعمل كلجان حرب حتى تم إيقاف إستيراد كل ما يمكن صناعته داخل البلاد.

كما لدينا صناعات محلية وهمية فهي مجرد توكيلات تعتمد على استيراد المادة الأساسية من الشركة الأم ومع ذلك يكتبون عليها (صنع في مصر) وهو خداع للنفس وخداع للشعب فمثل هذه الصناعات متوقفة الآن حتى يتم التخفيض النهائي والتعويم الدائم للجنيه.

العبودية للدولار
يجب أن يكون معلوماً ان الاجبار على التعامل بالدولار هي أوامر من السيد الأمريكي وعلى الاعلاميين الذين يهاجمون أمريكا التي تتآمر على مصر أن يعرفوا أننا نحن الذين نخضع لأوامر أمريكا. التعامل الخارجي بالدولار تعليمات أمريكية سياسية وهي ترفض التمرد على ذلك، وحتى نكون أسياد أنفسنا علينا أن نتحرر من هذه العبودية.

مثلا السياحة الروسية (قبل تفجير الطائرة) لمصر تأثرت بارتفاع سعر الدولار في روسيا وعندما طلب الروس وطلبت شركات الياحة المصرية التعامل بالروبل رفض البنك المركزي المصري، رغم أن الروبل يمكن الاستفادة به في الاستيراد من روسيا.

ويجب أن يكون معلوما ان دول البريكس تتعامل بعملاتها بين بعضها البعض وبالمقايضة (الهند- الصين- روسيا- البرازيل- جنوب أفريقيا): فالهند تشتري الأسلحة من روسيا بالمقايضة مثلا. فلماذا لانتعامل مع هذه الددول بهذه الطريقة؟ ولماذا لانتعامل بالعملة الصينية؟

وفيما يتعلق بالبلاد العربية لماذا لانعقد اتفاقيات ثنائية مع السودان وغيرها على الاعتراف المتبادل بعملات البلدين، بالتالي لانحتاج لاستخدام الدولار. ولكن هل يملك حكامنا تحدي إرادة أمريكا لتحقيق مصالحنا الوطنية؟!.

إن أمثال دولنا التابعة هي التي حولت العملة الأمريكية إلى عملة مقدسة، لأن كل الاتفاقيات الدولية حول الدولار كمعيار للعملات الأخرى انتهت منذ زمن . وكل الدول المحترمة تأخذ بنظام سلة العملات. ولذلك فهناك مواجهة حقيقية بين الدولار واليورو وبينهما مع الاسترليني والين والعملة الصينية اليووان (وهذا الأمر يحتاج لمقال مستقل).

العملة هي علم (أو راية) الدولة الوطنية، ونحن الذين حولنا الجنيه المصري إلى “خرقة بالية” بينما كان له قيمة ووزن في العهد الملكي البائد.

وفي عهود تاريخية قريبة انتشر في بلاد المشرق تعبير (مصاري) كإسم للنقود، ومصاري تعود لمصر حيث كانت العملة المصرية هي العملة الأقوى والمعترف بها في مختلف بلاد الشام وحتى الآن إذا ذهبت لبنان أو سوريا، سيقولون لك: معك مصاري؟! أي هل معك نقود؟!

اضف رد