المستشار عماد أبو هاشم يكتب: الثورة المصرية بين الدعم الإيراني و التمويل السعودى

الدور المحورىُّ الذى لعبه السعوديون في الإطاحة بنظام الرئيس مرسى و استبداله بنظامٍ موالٍ لهم لتكون القاهرة منطقة نفوذٍ لدولتهم و تابعةً لحكومتهم و تكون جيوشها حليفًا قويًا لجيشهم و ظهيرًا منيعًا لهم ضد أعدائهم و يغدو المصريون مُنفذين لأوامرهم مُلبين كل مطالبهم مُحققين كامل أهدافهم و أطماعهم و رغباتهم ، هذا الدور الذى حقق للسعوديين السيطرة الكاملة على مُجريات الأحداث فى مصر و أتاح لهم فرصة اقتناص الدور الريادىَّ الذى كانت تلعبه في المنطقة العربية و الاستئثار به دون شريكٍ أو منازعٍ أثار حفيظة الإيرانيين و أقلق مضاجعهم و بث الرعب في نفوسهم ؛ فاعتبروه نصرًا للسعوديين و هزيمةً لهم في الحرب الباردة التي تدور رحاها بينهم منذ سنين .
و المتأمل لطبيعة الصراع الإيرانىِّ السعودىِّ يعرف ـ بالطبع ـ أنه صراعٌ أيدلوجىٌّ بين قوتين إقليميتين يُشكِّل كلٌّ منهما النقيض للآخر ، و هو ـ في المقام الأول ـ صراعٌ على الوجود ، و تشبه الحربُ الباردة الدائرة بين هاتين القوتين الحربَ الباردة التي كانت مشتعلةً بين الولايات المتحدة الأمريكية و ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتىِّ سابقًا ، و قد أدى انتصار الجانب الأمريكيِّ إلى تفكك الاتحاد السوفيتىِّ و زواله من على خارطة العالم ، و لعل كلا الفريقين الإيرانيِّ و السعودىِّ يخشى تحقق ذات النتيجة إذا ما خسر معركته في مواجهة الفريق الآخر .
و كما كانت الحرب الباردة الأمريكية السوفيتية تشتعل بين الحين و الآخر على مناطق النفوذ و السيطرة خارج حدود إقليميهما ، فكذلك هو الحال في الحرب الباردة الإيرانية السعودية ، و لاشك أن مصر تقع على رأس أولويات كلا الفريقين في استقطابها طوعًا أو كرهًا كمنطقة نفوذٍ استراتيجيةٍ بالغة الأهمية ، فإيران تسعى إلى حصار السعوديين و تحجيم الإسرائيليين غربًا من مصر ، و تطمح إلى السيطرة على البحر الأحمر و قناة السويس ، و ترغب في التواجد العسكرىِّ عبر خطٍّ ملاحىٍّ يربط قواعد حلفائها في سوريا و لبنان بالشواطئ المصرية على البحر المتوسط تهدد من خلاله الإسرائيليين إذا ما حاولوا الوقوف في وجه مشروعها النووىِّ أو الحيلولة دون تحقيق أهدافها الإقليمية ، و على الجانب الآخر يسعى السعوديون إلى تأمين جبهتهم من ناحية الغرب بالتوغل الناعم داخل الأراضى المصرية ، و يبذلون قصارى جهدهم لتصدير صراعهم مع الإيرانيين إلى دول الجوار المباشر و غير المباشر و على رأسها مصر لتكون تلك الدول بمثابة العمق الاستراتيجىِّ لدولتهم بغية الاستفادة منها في مجابهة التيار الفكرىِّ الإيرانىِّ و من أجل استخدام جيوشها كحلفاء لجيشهم إن لزم الأمر متذرعين بأنهم يمثلون حائط الصدِّ القوىِّ للمد الشيعىّ الإيرانىِّ ، لكن هذا الصراع ـ في حقيقته ـ ليس إلا مجرد صراعٍ على السلطة و النفوذ فحسب .
بمجرد أن انكشف الدور السعودىُّ الداعم للإطاحة بالرئيس مرسى استفاق الإيرانيون على هول الصدمة ، فبادروا سريعًا إلى دعوة عددٍ من النشطاء المؤيدين لمرسى من المقيمين بالخارج للسفر سرًّا إلى إيران و الاجتماع برئيس الجمهورية الإيرانية و المرشد العام للثورة الإيرانية ، و طلبوا منهم تنفيذ التعليمات و الترتيبات الخاصة بكيفية دخولهم إلى الأراضى الإيرانية و الخروج منها سرًا ، و أبدى الإيرانيون في دعوتهم هذه كامل استعدادهم لتقديم يد العون و المساعدةِ للثورة المصرية .
لاقت الدعوة الإيرانية القبول من البعض و رفضها البعض الآخر ، و كان دائمًا ما يُسألُ الرافضون عن أرقام الهواتف الخاصة ببعض الشخصيات الأخرى المؤيدة للرئيس مرسى من الناشطين و الناشطات المُقيمين بالخارج بغية الاتصال بهم و توجيه الدعوة لهم ، و هو ما يُظهِر مدى الذعر و التخبط الذى أصِيب به الإيرانيون جراء الإطاحة بمرسى بشراكة سعودية ؛ الأمر الذى جعلهم ـ و هم في عجلةٍ من أمرهم ـ يكشفون لأولئك الذين رفضوا دعوتهم عن أسماء الشخصيات الأخرى التي يبتغون الاتصال بها و توجيه الدعوة إليها بالاستفسار منهم عن أرقام هواتف هذه الشخصيات ، ليس هذا فحسب ، بل أفصحوا لهم أيضًا عن الغرض من الدعوة و عن الشخصيات التي سيجتمعون بها في إيران و ترتيبات الدخول و الخروج من و إلى الأراضى الإيرانية .
لاشك أن اجتماعًا كهذا استهدف به الإيرانيون دعوة أكبر عددٍ ممكنٍ من مؤيدى الرئيس مرسى للجلوس ـ بشكلٍ مباشرٍ ـ إلى أكبر شخصيتين في الجمهورية الإيرانية ينم عن أن الإيرانيين يأخذون الأمور على محمل الجد ، و أنهم عازمون على حرمان السعوديين من منطقة النفوذ الجديدة التي اقتنصوها بالمشاركة في الإطاحة بمرسى ، و يكشف عن تخطيطهم لبلوغ ذلك الهدف عن طريق ولوج طريقٍ معاكسٍ للطريق الذى سلكه السعوديون ، فإذا كان السعوديون قد ظاهروا على الإطاحة بمرسى فإن الإيرانيين ـ بغية تقويض المشروع السعودىِّ ـ سيعملون قدر جهدهم على إعادته ثانيةً إلى منصبه الرفيع .
و من ناحيةٍ أخرى لم يكتفِ السعوديون بدعم النظام العسكرىِّ الذى أطاح بمرسى ، بل إنهم بادروا ـ منذ الوهلة الأولى ـ إلى الإيعاز لعددٍ من رجال الأعمال السعوديين دافعين بهم إلى ضخ مبالغ ماليةٍ ضخمةٍ كدعمٍ مُوجَّهٍ إلى مؤيدى الرئيس مرسى ، فالسعوديون و إن كانوا يدعمون الحكم العسكرىَّ في مصر في الظاهر إلا أنهم ـ و على التوازى ـ يُقدِّمون الدعم لمعسكر الثورة في الخارج سرًّا ، فجِوَالَات الأرز التي تعبر من الرياض إلى القاهرة تُفرِغ في الطريق بعضًا من حمولتها إلى الثوار بالخارج ، بالفعل فإن السعوديين يدعمون الفريقين في آنٍ واحدٍ دون أن يصل بهم الأمر إلى تقديم الدعم الكافى ليحسم أحدهما الأمر لصالحه من أجل أن يستمر الصراع قائمًا بينهما فيستنزِف كلاهما الآخر ، و بذلك يضمن السعوديون ولاء الفريقين لهم و تَبَعِيَّتَهما لحكامهم ، و مما لاشك فيه أن تَسَرُّب ذلك الأمر كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إصدار قانون جاستا .
هذه الفلسفة الشيطانية التي استنبطها الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيجل من التراث الفلسفىِّ اليهودىِّ و التي تقول بأن : الشىء و نقيضه يتصارعان حتى يُضعِف و يلاشى كلاهما الآخر ـ وجدت طريقها إلى مُجريات الأحداث في مصر بفعل المُمَوِّل السعودىِّ الذى استطاع ببراعةٍ فائقةٍ أن يخلق الصراع على السلطة في مصر و أن يحافظ على كينونته و استمراره بصناعة النقائض و الأضداد السياسية المتناحرة و دعهما جميعًا في آنٍ واحدٍ ، و في الوقت الذى يَجْهَرُ فيه بعلاقاته الطيبة مع النظام القائم في مصر يُضْمِرُ سرًّا علاقاتٍ بذات المستوى مع العديد من القوى الثورية الفاعلة المناوئة لهذا النظام .
تتدفق الأموال السعودية بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ إلى بعض كيانات الفشل الثورىِّ التي تَحَوَّلَ القائمون عليها إلى جِوَالَاتٍ و مقاطف تتلقف الأرز السعودىِّ الذى يُسكَبُ فيها بين الحين و الآخر في صورة دعمٍ مَشروطٍ ، فالمتبرعون بالأرز يُمْلُون على المقاطف الثورية التي تتلقاها منهم المسالك التي تُصرَف فيها ، و يحددون لهم الشكل الذى يُفرَغ فيه الحراكُ الثورىُّ ، بل يفرضون عليهم الأشخاص الذين يتصدرون المشهد و يتقدمون الصفوف ، حتى أضحى نفرٌ من هؤلاء هو المهيمن على الحراك الثورىِّ في مسالكه القانونية و الحقوقية و السياسية ، بحيث لا يُبرًم ُ أمرٌ إلا بموافقته و لا يُنقَضُ تصرفٌ إلا بإذنه ، في يده الحل و العقد و إليه يُرجَعُ الأمر كله ، يخشاه الكبار و يتجنبه الصغار ، ذلك لأن الدعم السعودىَّ مشروطٌ بوجوده مقترنٌ بإنفاذ رأيه ، و بالطبع فإن تصرفاته تنصب في إبقاء الحال على ما هو عليه و الحيلولة دون الحسم ليبقى الصراع الذى اصطنعه السعوديون قائمًا يؤرق النظام المصرىَّ و يستنزف قواه فحسب ، ومن ثم يستمر عسكر مصر في الانصياع لسلطانهم تحت وطأة الحاجة إليهم ، فيضمنون ـ بذلك ـ بقاء مصر في دائرة نفوذهم .
تتزايد المقاطف الثورية التي تتلقى الأرز السعودىَّ بذات القدر الذى تتزايد به الأذناب الإيرانية ، و يدير الفريقان من الأراضى التركية و القطرية و المصرية الحرب الباردة بين إيران و السعودية بالوكالة عنهما ، و لكلٍ من الفريقين أجنحته التى تسعى إلى تشويه و تقويض الفريق الآخر ، و لكلٍّ منهما أذرعه و مؤسساته المدعومة من الخارج ، و يستطيع المتابع للأحداث أن يميز المقاطف السعودية عن الأذناب الفارسية بسهولةٍ و يسرٍ ، فالأولى تلتزم في خطابها اتجاهًا راديكاليًّا محافظًا يستميت في إبقاء الأحوال على ما هي عليه بوضع العقبات في طريق الحسم الثورى و المبالغة في تخوين الآخرين و الثانية تلتزم في خطابها نمطًا تقدميًّا ثوريًّا يسعى إلى التغيير الجذرىِّ السريع بتبنى حراكٍ ديناميكىٍّ يستهدف الشارع الثورىَّ في مصر ، و أكاد أجزم أن عددًا من الساسة الذين كانوا محسوبين على الغرب و آزروا مشروع الإطاحة بمرسى شرعوا مؤخرًا في تنفيذ الأجندة الإيرانية التي تسعى إلى العودة به ثانيةً إلى الحكم .
ستلاحظون أن من يتصدرون المشهد فى كلٍّ من الفريقين يستخدم الواحد منهم في تصريحاته و كتاباته ذات الألفاظ و العبارات و المعانى التي يستخدمها الآخرون ضمن فريقه ، و يؤمن بذات الأفكار و المعتقدات التي يؤمن بها باقى أفراد فصيله ، و كأن هذه الألفاظ و العبارات و المعانى و الأفكار و المعتقدات قد أمليت عليهم أو أوحى بها إليهم جميعًا دفعةً واحدةً من مصدرٍ واحدٍ ، تمامًا كما كان يفعل عباس كامل مع أذرعه الإعلامية ، بالتأكيد تعلمون المصدر الذى يُملى على كل فريقٍ ما يقوله و يوحى إليه بما يفكر به .
و ستلاحظون ـ أيضًا ـ أن كيانات الأرز السعودىِّ تتعامل مع صفقة بيع جزر تيران و صنافير إلى السعودية باعتبارها قضيةً هامشيةً يتصدون لها على استحياءٍ من باب أداء الواجب فحسب ، و يحاولون تسطيحها و المرور من فوقها سريعًا لاستكمال مساعيهم المثبطةِ للثورة المحبطة للثوار ، و هم لا يتطرقون من قريبٍ أو من بعيدٍ إلى أن حكام السعوديةِ يدفعون بها لتكون دولة احتلالٍ تقتطع جزءًا من التراب الوطنىِّ المصرىِّ ، و من قبلُ كانوا يتقعرون إزاء ممارسات ملك السعودية السابق المناهضة لاستقرار و أمن البلاد ، بل إن منهم من انبطح كامل الانبطاح و ركع يقبل الأرض تحت أقدام الملك الحالي يهنئه بجلوسه على عرش المملكة التي قوضت أمن و استقرار بلاده و تسعى الآن لاحتلال جزءٍ من أراضيها ، نعم ، الأرز السعودىُّ أنساهم تراب الوطن ، أما أذناب الفرس فستجدونهم يبالغون أشد المبالغة في سباب السعوديين بسببٍ أو بغير سببٍ في الصباح و المساء و في الحل و الترحال ، يهاجمون السعوديين فقط من أجل الرغبة في سبابهم و التطاول عليهم فهذه هي جل غايتهم .
و بين جِوَالَات و مقاطف الأرز السعودىِّ و أذناب الفُرس الإيرانية يقف فريقٌ ثالثٌ يشكل السواد الأعظم للثورة المصرية يتلقى الضربات الموجعة التي تستهدف شق صفوفه و تقويض حِراكه و الحيلولة دون مبتغاه ، أولئك يعانون الأمرين بين حربٍ يشنها أصحاب المصالح و الأجندات الخارجية من داخل الصف الثورىِّ و حربٍ أخرى يخوضها من أجل الشرعية و الحفاظ على التراب الوطنىِّ ، و من وراء ذلك كله تشتعل حربٌ باردةٌ أخرى بين إيران و السعودية تدور رحاها بين الدوحة و إسطنبول و القاهرة .
فهل ستسمح إيران بالتوغل السعودىِّ داخل مصر أم سيتدخل الحرس الثورىُّ الإيرانُّي بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ لدعم الثورة المصرية ؟ و هل ستترك السعوديين يقتنصون جزر البحر الأحمر الاستراتيجية التي تتحكم في الملاحة بخليج العقبة بما يجعل السعودية من دول الجوار المباشر ذات الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل و يُدخِلها في نظاق الحزام الأمني للكيان الصهيونىِّ و يخلق بينهما مصالح مشتركةً تدفع بهما إلى الدخول مع مصر في حلفٍ ضد إيران و مصالحها في المنطقة و هو ما سيحمل إسرائيل على السعىِّ إلى توطيد الحكم الملكىِّ السعودىِّ و الحفاظ عليه كحليفٍ استراتيجىٍّ لها أم ستنجح إيران في ضرب ذلك الحلف و تحجيم النفوذ السعودىِّ في مصر ؟ و هل سيستطيع الثوار الذين لا يحملون أجنداتٍ خارجيةً أن يفعلوا شيئًا وسط هذا الصراح المُحتدم ؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*